السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
أجوبة مسائل موسى 70
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
لكن أهل البطر يعدّون التقيّة من مساوئ الشيعة ، فويل للشجيّ من الخليّ « 1 » ، ولو ابتلوا بما ابتلي به الشيعة لأخلدوا إلى التقيّة ، وقبعوا فيها قبوع القنفذ ، كما فعل أهل السنّة إذ اتّقوا شرّ « جنكيز خان » و « هلاكو » حقنا لدمائهم . وما يصنع الضعيف العاقل إذا ابتلي بالشديد الغاشم ؟ ولمّا دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن ، أجابه كثير من أبرار أهل السنّة إلى ذلك بألسنتهم ، وقلوبهم منعقدة على القول بقدمه ، فأظهروا له خلاف ما يدينون به تقيّة منه ، كما يفعله المسلمون اليوم في الحجاز ؛ حيث لا يتظاهرون بالأقوال والأعمال التي لا تجوز شرعا في مذهب الوهّابيّة ، كزيارة قبور الأولياء ، وتقبيل الضريح النبويّ الأقدس والتبرّك به ، وكالاستغاثة بسيّد الأنبياء والتوسّل به إلى اللّه عزّ وجلّ في غفران الذنوب وكشف الكروب . فإنّ الحجّاج وغيرهم من سنّيّين وشيعيّين لا يتظاهرون بشيء منها تقيّة من الفتنة وخوفا من الأذى ، بل لا يتظاهرون بالأدعية المستحبّة عندهم في تلك المواقف الكريمة والمشاهد العظيمة ؛ عملا بالتقيّة . وذكر ابن خلدون في الفصل الذي عقده لعلم الفقه من مقدّمته الشهيرة مذاهب أهل السنّة ، وانتشار مذهب أبي حنيفة في العراق ، ومذهب مالك في الحجاز ، ومذهب أحمد في الشام وفي بغداد ، ومذهب الشافعي في مصر « 2 » ، وهنا قال ما هذا لفظه : ثمّ انقرض فقه أهل السنّة من مصر بظهور دولة الرافضة ، وتداول بها فقه أهل البيت ، وتلاشى من سواهم . . . إلى أن ذهبت دولة العبيديّين من الرافضين على يد صلاح الدين يوسف بن أيّوب . . . ورجع إليهم فقه الشافعي « 3 » . انتهى . قلت : من تأمّل بهذا ، علم أنّ أهل السنّة في مصر أخذوا بالتقيّة أيّام الفاطميّين أكثر ممّا أخذ بها الشيعة أيّام معاوية ويزيد وبني مروان والعبّاسيّين والسلجوقيّين والأيّوبيّين
--> ( 1 ) - . راجع لسان العرب 392 : 14 ، « ش . ج . و » . ( 2 ) - و 3 . تاريخ ابن خلدون : 564 - 567 ، الفصل السابع من الباب السادس . ( 3 ) -